فصل: تفسير الآيات (7- 8):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.سورة الإسراء:

.تفسير الآية رقم (1):

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)}

.شرح الكلمات:

{سبحان}: أي تنزه وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وهو الله جل جلاله.
{بعبده}: أي بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
{من المسجد الحرام}: أي الذي بمكة.
{الى المسجد الأقصى}: أي الذي ببيت المقدس.
{من آياتنا}: أي من عجائب قدرتنا ومظاهرها في الملكوت الأعلى.

.معنى الآية الكريمة:

نزه الرب تبارك وتعالى نفسه عما نسب إليه المشركون من الشركاء والبنات وصفات المحدثين، فقال: {سبحان الذي أسرى بعبده} أي محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم القرشي العدناني {ليلاً من المسجد الحرام} أي بالليل من المسجد الحرام بمكة إذا خرج من بيت أم هانئ وغسل قلبه بماء زمزم وحشي إيماناً وحكمة، ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بيت المقدس، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه جمع الله تعالى له الانبياء في المسجد الأقصى وصلى بهم إماماً فكان بذلك إمام الأنبياء وخاتمهم ثم عرج به إلى السماء سماء يجد في كل سماء مقربيها إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ثم عرج به إلى ان انتهى إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وقوله تعالى: {الذي باركنا حوله} أي حول المسجد الأقصى معنى حوله خارجة وذلك بالأشجار والأنهار والثمار أما داخلة فالبركة الدينية بمضاعفة الصلاة فيه أي أجرها إذ الصلاة فيه بخمسمائة صلاة أجراً ومثوبة وقوله تعالى: {لنريه من أياتنا} تعليل للاسراء والمعراج وهو أنه تعالى اسرى بعبده وعرج به ليريه من عجائب صنعه في مخلوقاته في الملكوت الأعلى، وليكون ما عمله من طريق الوحي قد عمله بالرؤية والمشاهدة. وقوله تعالى: {إنه هو السميع البصير} يعني تعالى نفسه بأنه هو السميع لأقوال عباده البصير باعمالهم وأحوالهم فاقتضت حكمته هذا الاسراء العجيب ليزداد الذين آمنوا إيماناً وليرتاب المرتابون ويزدادون كفراً وعناداً.

.من هداية الآية الكريمة:

1- تقرير عقيدة الإسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم بالروح والجسد معاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات العلى، إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وأوحى إليه تعالى ما اوحى وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس.
2- شرف المساجد الثلاثة: الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى أما المسجدان الحرام والأقضى فقد ذكرا بالنص وأما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ذكر بالاشارة والإيماء إذ قول الأقصى يقتضي قصياً، فالقصي هو المسجد النبوي والأقصى هو مسجد بيت المقدس.
3- بيان الحكمة في الأسراء والمعراج وهي أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه ما كان آمن به وعلمه من طريق الوحي فاصبح الغيب لدى رسول الله شهادة.

.تفسير الآيات (2- 6):

{وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)}

.شرح الكلمات:

{وآتينا موسى الكتاب}: أي التوراة.
{وجعلناه هدى}: أي جعلنا الكتاب أو موسى هدى أي هادياً لبني إسرائيل.
{وكيلاً}: أي حفيظاً أو شريكاً.
{من حملنا}: أي في السفينة.
{وقضينا}: أي أعلمناهم قضاء نافيهم.
{في الكتاب}: أي التوارة.
{علواً كثيراً}: أي بغياً عظيماً.
{أولاهما}: أي أولى المرتين.
{فجاسوا خلال}: أي ترددوا جائين ذاهبين وسط الديار يقتلون ويفسدون.
{وعداً مفعولاً}: أي منجزاً لم يتخلف.

.معنى الآيات:

يخبر تعالى أنه هو الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأنه هو الذي آتى موسى الكتاب أي التوارة فهو تعالى المتفضل على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بالإسراء به والمعراج وعلى موسى بإعطائه الكتاب ليكون هدى وبياناً لبني إسرائيل فهو متفضل أيضاً على بني إسرائيل فله الحمد وله المنة.
وقوله: {جعلناه} أي الكتاب {هدى} أي بياناً لبني إسرائيل يهتدون إلى سبل الكمال والاسعاد وقوله: {الا تتخذوا من دوني وكيلاً} أي آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل من أجل الا يتخذوا من غيري حفيظاً لهم يشركونه بي التوكل عليه وتفويض أمرهم إليه ناسين لي وأنا ربهم وولي نعمتهم. وقوله تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح} أي يا ذرية من حملنا مع نوح اشكورني كما شكرني نوح على انجائي إياه في السفينة مع أصحابه فيها، إنه أي نوحاً {كان عبداً شكوراً} فكونوا انتم مثله فاشكروني بعبادتي ووحدوني ولا تتركوا طاعتي ولا تشركوا بي سواي.
وقوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً} يخبر تعالى بأنه أعلم بني إسرائيل بقضائه فيهم وذلك في كتابهم التوارة أنهم يفسدون في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب، ويعلون في الأرض بالجراءة على الله وظلم الناس {علواً كبيراً} أي عظيماً. ولابد أن ما قضاه وقوله تعالى: {فإذا جاء وعد أولهما} أي وقت المرة الأولى وظلموا بانتهاك حدود الشرع والإعراض عن طاعة الله تعالى حتى قتلوا نبيهم أرميا عليه السلام وكان هذا على يد الطاغية جالوت فغزاهم من أرض الجزيرة ففعل بهم مع جيوشه ما أخبر تعالى به في قوله: {فجاسوا خلال الديار} ذاهبين جائين قتلاً وفتكاً وإفساداً نقمة الله على بني إسرائيل لإفسادهم وبغيهم البغي العظيم.
ووقوله تعالى: {وكان وعداً مفعولاً} أي ما حصل لهم في المرة الأولى من الخراب والدمار ومن أسبابه كان بوعد من الله تعالى منجزاً فوفاة لهم، لأنه قضاه وأعلمهم به في كتابهم. وقوله: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} أي بعد سنين طويلة وبنو إسرائيل مضطهدون مشردون نبتت منهم نابتة وطالبت بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد وكان ذلك كما تقدم في سورة البقرة جاهدوا وقتل داود جالوت وهذا معنى {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} وقوله: {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً} أي رجالاً في الحروب وكثرت أموالهم وأولادهم وتكونت لهم دولة سادت العالم على عهد داود وسليمان عليهما السلام.

.من هداية الآيات:

1- بيان إفضال الله تعالى على الامتين الإسلامية والإسرائيلية.
2- بيان سر إنزال الكتب وهو هداية الناس إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها.
3- وجوب شكر الله على نعمه إذ كان نوح عليه السلام إذا أكل الأكلة قال الحمد لله، وإذا شرب الشربة قال الحمد لله، وإذا لبس حذاءه قال الحمد لله وإذا قضى حاجة قال الحمد لله فسمى عبداً شكوراً وكذا كان رسول الله والصالحون من أمته إلى اليوم.
4- ما قضاء الله تعالى كائن، وما وعد به ناجز، والايمان بذلك واجب.
5- التنديد بالإفساد والظلم والعلو في الأرض، وبيان سوء عاقبتها.

.تفسير الآيات (7- 8):

{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)}

.شرح الكلمات:

{إن احسنتم}: أي طاعة الله وطاعة رسوله بالاخلاص فيها وبأدائها على الوجه المشروع لها.
{أحسنتم لأنفسكم}: أي أن الأجر والمثوبة والجزاء الحسن يعود عليكم لا على غيركم.
{وإن أساءتم}: أي في الطاعة فإلى أنفكسم سوء عاقبة الإساءة.
{وعد الآخرة}: أي المرة الآخرة المقابلة للأولى وقد تقدمت.
{ليسوءوا وجوهكم}: أي يقبحوها بالكرب واسوداد الحزن وهم الذل.
{وليتبروا ما علو تيبيرا}: أي وليدمروا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل تدميراً.
{وإن عدتم عدنا}: أي وأن رجعتم إلى الفساد والمعاصي عدنا بالتسليط عليكم.
{حصيراً}: أي محبساً وسجناً وفراشهم يجلسون عليها فهي من فوقهم ومن تحتهم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في الحديث عن بني إسرائيل فبعد ان أخبرهم تعالى بما حكم به عليهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كثيراً. وأنه إذ جاء مقيات أولى المرتين بعث عليهم عباداً أشداء أقوياء وهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوهم، أنه تعالى رد لهم الكرة عليهم فانتصروا عليهم وقتل داود جالوت وتكونت لهم دولة عظيمة كانت أكثر الدول رجالاً واوسعها سلطاناً وذلك لرجوعهم إلى الله تعالى بتطبيق كتابه والتزام شرائعه وهناك قال تعالى لهم: {إن أحسنتم احسنتم لأنفسكم} أي أن أحسنتم باتباع الحق والتزام الطاعة لله ورسوله بفعل المأمورات واجتناب المنهيات والأخذ بسنن الله تعالى في الاصلاح البشري ان أساتم بتعطيل الشريعة والانغماس في الملاذ والشهوات فإن نتائج ذلك عائدة على أنفسكم حسب سنة الله تعالى: {ومن يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} وقوله تعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة} أي وقتها لها، وهي المرة الآخرة بعد الأولى بعث أيضاً عليهم عباداً له وهم بختنصر وجنوده بعثهم عليهم ليسودوا وجوههم بما يصيبونهم به من الهم والحزن والمهانة والذل {وليدخلوا المسجد} أي بيت المقدس كما دخلوه أول مرة {وليتبروا} أي يدمروا ما علو أي ما غلبوا عليه من ديارهم {تتبيرا} أي تدميراً كاملاً وتحطيما تاماً وحصل لهم هذا لما قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام وكثيراً من العلماء وبعد أن ظهر فيهم الفسق وفي نسائهم التبرج والفجور واتخاذ الكعب العالي. كما اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {عسى ربكم ان يرحمكم} فهذا خير عظيم لهم لو طلبوه بصدق لفازوا به ولكنهم أعرضوا عنه وعاشوا على التمرد على الشرع والعصيان لله ورسله. وقوله وإن عدتم عدنا أي وإن عدتم إلى الفسق والفجور عدنا بتسليط من نشاء من عبادنا فانجزهم الله تعالى ما وعدهم فسلط عليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فاجلى بني قينقاع وبني النضير من المدنية وقتل بني قريضة كما سلط عليهم ملوك أروبا فطاردهم وساموهم الخسف وأذاقوهم سوء العذاب في قرون طويلة وقوله تعالى: {وجعلنا للكافرين حصيراً} أي كان عذاب الدنيا بالتسلط على الظالمين وسلبهم حريتهم وإذاقتهم عذاب القتل والأسر والتشريد فإن عذاب الآخرة هو الحبس والسجن في جهنم تكون حصيراً للكافرين لا يخرجون منها للكافرين أي الذين يكفرون شرائع الله ونعمه عليهم بتعطيل الأحكام وتضييع الفرائض وإهمال السنن والانغماس في الملاذ والشهوات.

.من هداية الآيات:

1- صدق وعد الله تعالى.
2- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذه الأنباء لا يقصها الا نبي يوحى إليه.
4- وجوب الرجاء في الله وهو انتظار الفرج والخير منه وان طال الزمن.
5- قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وكذا الفاسقون من المؤمنين.

.تفسير الآيات (9- 12):

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)}

.شرح الكلمات:

{للتي هي اقوم}: أي الطريقة التي هي أعدل وأصوب.
{إن لهم أجراً كبيراً}: أنه الجنة دار السلام.
{اعتدنا لهم كبيراً}: انه عذاب النار يوم القيامة.
{ويدع الإنسان بالشر}: أي على نفسه وأهله إذا هو ضجر وغضب.
{وكان الإنسان بالشر}: أي سريع التأثر بما يخطر على باله فلا يتروى ولا يتأمل.
{آيتين}: أي علامتين دالتين على وجود الله وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته.
{فمحونا آية الليل}: أي طمسنا نورها بالظلام الذي يعقب غياب الشمس.
{عدد السنين والحساب}: أي عدد السنين وانقضائها وابتداء دخولها وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها كالايام والأسابيع والشهور.

.معنى الآيات:

يخبر تعالى ان هذا القرآن الكريم الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليع وسلم الذي أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يهدي بما فيه من الدلائل والحجج والشرائع والمواعظ للطريقة والسبيل التي هي أقزم أي أعدل واقصد من سائر الطرق والسبيل انها الدين القيم الإسلام سبيل السعادة والكمال في الدارين، {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي وبشر القرآن الذين أمنوا بالله ورسوله ولقاء الله ووعده ووعيده وعملوا الصالحات وهي الفرائض والنوافل بعد تركهم الكبائر والمعاصي بأن لهم أجراً كبيراً الا وهو الجنة، كما يخبر الذين لا يؤمنون بالآخرة ان الله تعالى أعد أي هيأ لهم عذاباً أليماً في جهنم.
وقوله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} يخبر تعالى عن الإنسان في ضعفه وقلة إدراكه لعواقب الأمور من أنه إذا ضجر أو غضب يدعو على نفسه وأهله بالشر غير مفكر في عاقبة دعائه لو استجاب الله تعالى له. يدعو بالشر دعاءه بالخير أي كدعائه بالخير، وقوله: {وكان الإنسان عجولاً} أي كثير العجلة يستعجل في الأمور كلها هذا طبعه ما لم يتأدب بآداب القرآن ويتخلق بأخلاقه فإن هو استقام على منهج القرآن تبدل طبعه وأصبح ذا توارة وحلم وصبر وأناة. وقوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} أي علامتين على وجودنا وقدرتنا وعلمنا وحكمتنا، وقوله: {فمحونا آية الليل} أي بطمس نورها، وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة وبين علة ذلك بقوله: {لتبتغوا فضلاً من ربكم} أي لتطلبوا رزقكم بالسعي والكسب في النهار، هذا من جهة ومن جهة أخرى {لتعلموا عدد السنين والحساب} أي عدد السنين وانقضائها وابتداء دخولها وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها كالايام والاسابيع والشهور. لتوقف مصالحكم الدينية والدنيوية على ذلك. وقوله تعالى: {وكل شيء فصلناه تفصيلاً} أي وكل يحتاج اليه في كمال الإنسان وسعادته بيناه تبيناً أي في هذا الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم.

.من هداية الآيات:

1- بيان فضل القرآن الكريم، بهدايته إلى الإسلام الذي هو سبيل السعادة للانسان.
2- الوعد والوعيد بشارة المؤمنين العاملين للصالحات، ونذارة الكافرين باليوم الآخر.
3- بيان طبع الإنسان قبل تهذيبه بالآداب القرآنية والأخلاق النبوية.
4- كون الليل والنهار آيتين تدلان على الله تعالى وتقرران علمه وقدرته وتدبيره.
5- مشروعية علم الحساب وتعلمه.

.تفسير الآيات (13- 17):

{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)}

.شرح الكلمات:

{طائره}: أي عمله وما قدر له من سعادة وشقاء.
{في عنقه}: أي ملازم له لا يفارقه حتى يفرغ منه.
{عليك حسيبا}: أي كفى نفسك حاسباً عليك.
{ولا تزر وازرة وزر أخرى}: أي لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى.
{مترفيها}: منعميها من أغنياء ورؤساء.
{فحق عليها القول}: أي بالعذاب.
{وكم أهلكنا}: أي اهاكنا كثيراً.
{من القرون}: أي من أهل القرون السابقة.
{خبيرا بصيرا}: أي عليماً بصيرا بذنوب العباد.

.معنى الآيات:

يخبر تعالى أنه عز وجل لعظيم قدرته، وسعة علمه، وحكمته في تدبيره ألزم كل إنسان ما قضى به له من عمل وما يترتب على العمل من سعادة أو شقاء في الدراين، الزمه ذلك بحيث لا يخالفه ولا يتأخر عنه بحال حتى كأنه مربوط بعنقه. هذا معنى قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}. وقوله تعالى: {ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً} أي وفي يوم القيامة يخرج الله تعالى لكل إنسان كتاب عمله فيلقاه منشوراً أي مفتوحاً أمامه. ويقال له: إقرأ كتابك الذي أحصى لك عملك كله فلم يرد يغادر صغيرة ولا كبيرة. وقوله: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} أي يكفيك نفسك حاسباً لأعمالك محصياً لها عليك أيها الأنسان. وقوله تعالى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}، أي بعد هذا الإعلام والبيان ينبغي ان يعلم ان من اهتدى اليوم فآمن بالله ورسوله، ولقاء الله، ووعده ووعيده وعمل صالحاً وتخلى عن الشرك والمعاصي فإنما عائد ذلك له، هو الذي ينجو من العذاب، ويسعد في دار السعادة، وان من ضل طريق الهدى فكذب ولم يؤمن، وأشرك ولم يوحد، وعصى ولم يطع فإن ذلك الضلال عائد عليه، هو الذي يشقى به ويعذب في جهنم دار العذاب والشقاء. وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} الوزر الإثم والذنب والوازرة الحاملة له لتؤخذ به ومعنى الكلام ولا تحمل يوم القيامة نفس آثمة إثم نفس أخرى، بل كل نفس تتحمل مسئوليتها بنفسها، والكلام تقرير لقوله: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها}. وقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} أي لم يكن من شأن الله تعالى وهو العدل الرحيم أن يهلك أمة بعذاب إبادة واستئصال قبل أن يبعث فيها رسولاً يعرفها بربها وبمحابة ومساخطه، ويأمرها بفعل المحارب وترك المساخط التي هي الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قربة} أي أهل قرية {أمرنا مترفيها} أي أمرنا منعميها من اغنياء ورؤساء وأشراف من أهل الحل والعقد أمرناهم بطاعتنا بإقامة الشرع وأداء الفرائض والسنن واجتناب كبائر الإثم والفواحش فلم يستجيبوا للأمر ولا للنهي وهو معنى {ففسقوا فيها فحق عليها القول} أي وجب عليها العذاب {فدمرناها تدميراً} أي اهلكناها إهلاكاً كاملاً، وهذا الكلام بيان لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} إذ الرسول يامر وينهى بإذن الله تعالى فإن لم يطع استوجب الناس العذاب فعذبوا.
وقوله تعالى: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} هو تقرير لهذا الحكم أيضاً إذ علمنا تعالى ان ما اخبر به كان واقعاً بالفعل فكثيراً من الأمم اهلكها من بعد هلاك قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط واصحاب الأيكة وآل فرعون.. وقوله: {وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً}: فإن القول وإن تضمن علم الله تعالى بذنوب عباده فإن معناه الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، فإنه تعالى لا يرضى باستمرار الجرائم والآثام انه يمهل لعل القوم يستفيقون، لعل الفساق يكفون، ثم إذا استمروا بعد الاعلام إليهم والتنديد بذنوبهم والتخويف بظلمهم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. الا فليحذر ذلك المصرون على الشرك والمعاصي!!

.من هداية الآيات:

1- تقرير عقيدة القضاء والقدر.
2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
3- تقرير العدالة الإلهية يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً.
4- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم غير انها لا تهلك الا بعد الإنذار والاعذار إليها.
5- التخدير من كثرة التنعم والترف فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة ثم يؤدي الفسق إلى الهلاك والدمار.

.تفسير الآيات (18- 22):

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)}

.شرح الكلمات:

{العاجلة}: أي الدنيا لسرعة انقضائها.
{يصلاها مذموماً مدحور}: أي يدخلها ملوماً مبعداً من الجنة.
{وسعى لها سعيها}: أي عمل لها العمل المطلوب لدخولها وهو الإيمان والعمل الصالح.
{كان سعيهم مشكورا}: أي عملهم مقبولاً مثاباً عليه من قبل الله تعالى.
{كلا نمد هؤلاء وهؤلاء}: أي كل فريق من الفريقين نعطي.
{وما كان عطاء ربك محظورا}: أي لم يكن عطاء الله في الدنيا محظوراً أي ممنوعاً عن أحد.
{كيف فضلنا بعضهم على بعض}: أي في الرزق والجاه.
{لا تجعل مع الله إلهاً آخر}: أي لا تعبد مع الله تعالى غيره من سائر المعبودات الباطلة.
{فتقعد ملوماً مخذولاً}: أي فتصير مذموماً من الملائكة والمؤمنين مخذولاً من الله تعالى.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في أخبار الله تعالى الصادقة والمتضمنة لأنواع من الهدايات الإلهية التي لا يحرمها الا هالك، فقال تعالى في الآية الكريمة (18): {من كان يريد العاجلة} أي الدنيا {عجلنا له فيها ما نشاء}، لا ما يشاؤه العبد، وقوله: {لمن نريد} لا من يريد غيرنا فالأمر كله لنا، {ثم} بعد ذلك {جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً} أي ملوما {مدحوراً} أي مطروداً من رحمتنا التي هي الجنة دار الأبرار أي المطعين الصادقين. وقوله تعالى في الآية الثانية (19): {ومن أراد الآخرة} يخبر تعالى ان من أراد الآخرة أس سعادة الآخرة {وسعى لها سعيها} أي عمل لها عملها اللائق بها وهو الإيمان الصحيح والعمل الصالح الموافق لما شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله، واجتنب الشرك والمعاصي وقوله: {وهو مؤمن} قيد في صحة العمل الصالح أي لا يقبل من العبد صلاة ولا جهاد الا بعد إيمانه بالله ورسوله وبكل ما جاء به رسوله وأخبر به من الغيب.
وقوله: {فأولئك} أي المذكورن بالإيمان والعمل الصالح {كان سعيهم مشكوراً} أي كان عملهم متقبلاً يثابون عليه بالجنة ورضوان الله تعالى. وقوله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً} أي أن كلا من مريدي الدنيا ومريدي الآخرة يمد الله هؤلاء وهؤلاء من عطائه أي فضله الواسع فالكل يأكل ويشرب ويكتسي بحسب ما قدر له من الضيق والوسع ثم يموت وثم يقع التفاضل بحسب السعى الفاسد أو الصالح وقوله: {وما كان عطاء ربك محظوراً} يعني ان من أراد الله إعطاءه شيئاً لا يمكن لأحد أن يصرفه منه ويحرمه منه بحال من الأحوال وقوله تعالى: {أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} أي انظر يا رسولنا ومن يفهم خطابنا كيف فضلنا بعض الناس على بعض في الرزق الذي شمل الصحة والعافية والمال والذرية والجاه، فإذا عرفت هذا فاعرف ان الاخرة أكبر درجات واكبر تفضيلا وذلك عائد إلى فضل الله اولاً ثم إلى الكسب صلاحاً وفساداً وكثرة وقلة كما هي الحال أيضاً في الدنيا فبقدر كسب الإنسان الصالح للدنيا يحصل عليها ولو كان كافراً لقوله تعالى من سورة هود: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} أي لا ينقصون ثمرات عملهم لكونهم كفاراً مشركين.
وقوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} أي لا تجعل يا رسولنا مع الله إلهاً اخر تؤمن به وتعبده وتقرر إلهيته دوننا فإنك ان فعلت- وحاشاه ان يفعل لان الله لا يريد له ذلك {فتقعد في جهنم مذموماً} أي ملوماً يلومك الؤمنون والملائكة مخذولاً من قبل ربك لا ناصر لك والسياق وان كان في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن المراد به كل إنسان فالله تعالى ينهى عبده ان يعبد معه غيره فيترتب على ذلك شقاؤة والعياذ بالله تعالى.

.من هداية الآيات:

1- كلا الدارين السعادة فيها أو الشقاء متوقف على الكسب والعمل هذه سنة الله تعالى في العباد.
2- سعى الدينا التجارة والفلاحة والصناعة.
3- سعى الاخرة الايمان وصالح الأعمال والتخلية عن الشرك والمعاصي.
4- يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب وعطاؤه قائم على سنن له في الحياة يجب معرفتها والعمل بمقتضاها لمن أراد الدنيا والآخرة.
5- ما اعطاه الله لا يمنعه أحد فوجب التوكل على الله والاعراض عما سواه.
6- تحريم الشرك والوعيد بالخلود في نار جهنم.